قصائد حب

 

بابلو نيرودا *

صباحك

قلتُ: تعالي معي، ولم يعرف أحدٌ

أين أو كيف تدفق ألمي،

لا القرنْفُل ولا أغنية البحار لي،

جُرح نكأه الحب،

أعدتها: تعالي، وكأني أحتضر،

ولم ير أحدٌ القمرَ النازفَ في فمي،

أو الدم الصاعد إلى الصمت.

آهٍ حبيبتي، لنا الآن أن ننسى النجمة وأشواكها!

لذا حين سمعتك ترددين:

تعال معي فكأنكِ حرّرت

الألمَ، الحب، وغضب النبيذ المسجون

الذي يتفجر من قبوه

ومرة أخرى شعرت في فمي بمذاق النّار،

بالدم والقرنْفُل، بالصخرة والحرق.

***

أنا جائع لثغرك، جائع لصوتك، لشرك

أعاني بصمتِ في الدروب،

الخبزُ لا يكفيني، والفجرُ يقلقني، أقضّي

النهار أبحثُ عن خرير الينابيع في خطواتك

جائع لضحكتك المنزلقة،

ليديك بلون الحصاد الوحشي،

جائع لصخور أظفارك الشاحبة،

أريد أن آكل جلدك كاللوزة الصحيحة

أريد أن آكل الشعاع المتوهج على جسدك الجميل،

الأنف الملوكي لوجهك المتكبر،

أريد أن آكل الظل الزائل لأهدابك

وجائعاً أمضي، أشمُّ الشفق،

أبحث عنك، عن قلبك الساخن

كالأسد في براري كوتيراتو القاحلة

ظهرك

طارت يدك من عيوني إلى النهار.

دخل الضوء، وانتشر مثل الورْد

ارتعشت الرمال والسماء مثل خلية

نحلٍ تامة محفورة في الفيروز.

لمست يدك مقاطع رنّت كالأجراس، أقداحاً،

براميل زيت أصفر،

تويجات، نوافير، وفوق هذا كله، الحُب،

الحُب: حرست يدك النقية المغارف.

كان العصر. سحب الليلُ بصمتٍ

غشاءه السماوي على حلم الرجل

بعثت زهرة العسل رائحة وحشيةً حزينة.

وعادت يدك من طيرانها خافقةً

لتضم ريشها الذي خلته قد ضاع

على عيوني التي التهمها الظل.

***

آه من الحب، شعاعٌ مجنونٌ ووعيدٌ أرجواني،

تأتين وتتسلقين سلّمك الطريّ

القلعة التي كلّلها الزمنُ بالضباب،

حيطان القلب المغلق الشاحبة.

لا أحد سيعرف أن الرقّة وحدها

كانت تشيّد بلورات صُلبة كالمدن

وإن الدم فتح أنفاقاً بائسة

لكنه في مَلَكِيته لم يهزم الشتاء.

لهذا كان الحب، فمَكِ، بشرتك، نورك، وأحزانك،

إرْثَ الحياة، عطايا

المطر المقدسة، عطايا الطبيعة

التي تتلقى البذور الحوامل وتُعليها،

زوبعة النبيذ السّرية في الأقبية،

وميض الذُرة في الأرض.

مساؤك

لكني نسيتُ أن يديكِ أرضتا الجذور،

سقتا الورود المتشابكة،

حتى توردت أناملك

بسلام الطبيعة التام.

مجرفتك، ومرشّك يدوران حولك،

حيوانين أليفين، يعضّان ويلعقان الأرض،

هكذا، بعملك، تحررين

خصوبة القرنفل ونضارته

أتمنى ليديك حُبَّ النحل وكرامته،

تخلطان البيوض الشفافة وتنثرانها على الأرض

وتحرثان حتى قلبي.

لهذا أنا كالصخرة المحترقة

فجأة تغني معك، لأنها تشربُ

مياه الغابات التي يسوقها صوتك.

***

العقلُ النيّر، الشيطانُ الواضح

للعناقيد المطلقة، للظُهْر المستقيم،

ها نحن أخيراً، وحيدان بلا وحدة،

بعيدان عن هُراء المدينة الوحشية.

حينما يُطوّقُ الخطُّ الصافي حمامته

وتقلّدُ النارُ السلامَ وساماً، وتغذيه

هكذا صنعنا هذه النتيجة السماوية

العقل والحب عاريان في هذا البيت.

أحلام غاضبة، أنهار من اليقين المُر،

قرارات أقسى من حلم المطرقة

تسقط في كأس العشاق المضاعفة.

ليلك

في الليل، حبيبتي، أربطي قلبك بقلبي،

ودعيهما يهزمان الظلمة في الأحلام

مثل طبلٍ مزدوج في الغابة، يقارعُ

السورَ الثخين من الأوراق الندية

سُرى الليل، جَمرةُ النوم السوداء

تقطعُ خيطَ العنب الأرضي

بدقّة قطارٍ مجنون

أبداً ينقل الظلال والصخور الباردة

لهذا، حبيبتي، اربطيني بحركةٍ نقية

بالعناد الذي يدق في صدرك،

بجناحي أوزّةٍ تحت الماء.

هكذا يجيبُ نومنا بمفتاح واحد عن

أسئلة السماء النجمية،

ببابٍ واحد أغلقته الظلال.

* هذه القصائد من ترجمة حديثة أعدتها المترجمة العراقية سحر أحمد لديوان الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا “مائة قصيدة حب”، والذي كتبه عشقاً في زوجته ماتيلدا، وما زال أيقونة كل أجيال العشاق الذين يحتفلون هذا الأسبوع بعيدهم.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=8011&y=2010&article=full